أحمد مصطفى المراغي
14
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ) أي وأنزلنا من السحاب مطرا بقدر الحاجة ، لا هو بالكثير فيفسد الأرض ، ولا هو بالقليل فلا يكفى الزرع والثمار ، حتى إن الأرضين التي تحتاج إلى ماء كثير لزرعها ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها يساق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر ، ويقال لمثلها ( الأرض الجرز ) فيساق إليها ماء النيل حاملا معه الطين الأحمر ( الغرين ) يجترفه من بلاد الحبشة في زمن الأمطار فيستقر فيها ويكون سمادا لها ونافعا لزرعها . وبعض هذا الماء يسكن في الأرض فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى ، ومنه تتكون الآبار والعيون التي تمر على معادن مختلفة ، فتتشكل بأشكالها وتتصف بصفاتها فيكون ماؤها حاويا إما للنوشادر وإما للكبريت وإما للأملاح وهكذا . ( وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ ) أي وإنا على ذهابه وإزالته لقادرون بحيث يتعذر استخراجه ، كما كنا قادرين على إنزاله ، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا ، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى جهات أخرى لا تستفيد منه كالأرضين السبخة والصحارى ، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل في الأرض يغور فيها إلى مدى بعيد لا تصلون إليه ولا تنتفعون به ، ولكن بلطفنا ورحمتنا ننزل عليكم الماء العذب الفرات ، ونسكنه في الأرض ونسلكه ينابيع فيها ، لتسقوا به الزرع والثمار ، وتشربوا منه أنتم ودوابكم وأنعامكم . ( فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء بساتين فيها نخيل وأعناب . ( لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ) أي لكم في الجنات فواكه كثيرة تتمتعون بها زيادة على ثمرات النخيل والأعناب . ( وَمِنْها تَأْكُلُونَ ) أي ومن زروع الجنات وثمارها ترزقون وتحصّلون معايشكم ،